قراءة نقدية لكتاب الهايكو العربي "وادي زا": الهايكيست اللبنانية لبنى شرارة بزي - الهايكو العربي - هايكو أراب - HaikuArab
 قراءة نقدية لكتاب الهايكو العربي "وادي زا": الهايكيست اللبنانية لبنى شرارة بزي

قراءة نقدية لكتاب الهايكو العربي "وادي زا": الهايكيست اللبنانية لبنى شرارة بزي

شارك المقالة

 قراءة نقدية لكتاب الهايكو العربي "وادي زا": الهايكيست اللبنانية لبنى شرارة بزي



في البداية أتقدّم من الاستاذ الحسين بنصناع رئيس جمعية وادزا للثقافة والتنمية والابداع بجزيل الشكر على دعوته الكريمة لي، لتقديم قراءة نقدية لكتاب الهايكو العربي الذي اعتّز بكوني من ضمن المشاركات فيه والمشاركين، الذين بلغ عددهم تسعة وعشرون شاعرا وشاعرة من نخبة شعراء و شاعرات الهايكو في العالم العربي. واليوم بمناسبة توقيع هذا الكتاب القيّم الذي حوى بين دفتيه على صورٍ لنهر وادزا الجميل و تلك الطبيعة الساحرة، و رُسمت على صفحاته اجمل اللوحات لطبيعة ذلك الوادي الذي اختاره معدّ الكتاب عنوانا ومحورا لكتابه، اتقدّم بأحرّ التهاني وأسمى التبريكات للاستاذ الشاعر المبدع الحسين بنصناع ولجمعية وادزا المغربية للابداع والثقافة والتنمية و لكلّ من شارك في انجاز هذا الكتاب الذي تخطّى حدود المغرب الى الوطن العربي واضاف الى المكتبة العربية منجزا جديدا ذا قيمة وجودة عالية ، كتابا في شعر الهايكو الذي اتى الينا من اليابان وتسلّل بخفّةٍ ورشاقة الى لغتنا العربية واحتلّ قلوب الكثيرين، فما هو الهايكو؟ و ما هو مدى ارتباط نصوص هذا الكتاب بالهايكو الياباني الاصيل الذي بدا في القرن السادس مجرد اغاني للفلاحين في الحقول، ثم تحول في القرن السادس عشر على يد عراب الهايكو ماتسو باشو الى فن شعري قائم بذاته تتناقله الاجيال واللغات العالمية فتتقاسم جماله وتتزاحم على اظهاره بابهى حلّة واجمل اطار؟!!..

يقول nick virgilio احد ابرز شعراء الهايكو الامريكي" اكتب الهايكو لاحصل على الحقيقة"

فاي حقيقة فتّش عنهاvirgilio، وهل يتوجب على شاعر الهايكو البحث عن تلك الحقيقة؟  الجواب على هذا السؤال نجده ونحن نتجول في اروقة كتاب الهايكو العربي وادي زا. فاذا تأمّلنا اللوحات الفنيّة التي رسمها الشعراء والشاعرات المبدعون والمبدعات، تستوقفنا الكثير من القصائد التي تحتاج الى اعادة قراءة مرات ومرات، لنتأمّل جمال الصورة ودقة التعبير وعمق لحظة التأمّل التي تناجى فيها الشاعر او الشاعرة مع الطبيعة ككلّ وطبيعة وادي زا خاصة ومن ثمّ خَلَقَ فلسفة يهيمن عليها طابع العلاقة الحميمة بين الانسان والطبيعة الام الرءوم والمعلّم الاوّل، مصدر الحكمة والفلسفة والعلم والمعرفة والايمان بالله مدعوما باسرار وعجائب الخلق و دقة الهندسة و الابداع الذي يحيّر العقول ويسلب الالباب.

فاذا كان الهايكو يمثل لحظة التنوير "الساتوري"

عند اليابانيين، لحظة تحاول التعبير عن الجمال الموجود في الحياة وتحضر فيها المشاهد العابرة، حسب تماهي ذات الشاعر وذوبانه فيها والقبض عليها، فان وادي زا حوى على الكثير من الجمال الذي استرعى انتباه الشعراء المبدعين والشاعرات المبدعات، بل اختصر جمال كل البلاد العربية التي تدفقت منها قصائد الهايكو. فكما يقول الحسين بنصناع في تقديمه" ان الكتاب ..هو فضاء لبعض المشاهد التي تأمّلها شعراء وشاعرات الهايكو في الوطن العربي. جمعنا فيه عددا كبيرا من قصائد الهايكو التي تتغنّى بوادي زا ومن خلاله بكل وديان العالم العربي وهو الفضاء الذي مكنّنا من التطرّق الى مواضيع الطبيعة بشكل معمق ومحاولة اكتشافها".

واذا كان الهايكو هو "فنّ الدهشة" بامتياز، فان هذا الكتاب قد حوى من الدهشة والسحر ما يضاهي غزارة النهر وعمق الوادي، فأتت قصائده شاهقة المعنى، شامخة اللغة والبلاغة، ساحرة البيان، تسرّ الخاطر وتشبع ذائقة القارئ المحب للهايكو خاصة والشعر عامة. 

"على سطح زا

كالثلج

يذوب ظلّي في الماء"


"ما اقسى زا

الطير الذي يرتوي 

مات على الضفة"


الحسين بنصناع


واذا كانت الطبيعة مصدر الحكمة فهي بالتالي مصدر الايمان وتوطيد العلاقة بين الخالق والمخلوق. فرأس الحكمة مخافة الله.. 

والهايكو يصبح هنا فعل صلاة وتهجّد في محراب الله والبحث عنه في الكون والوجود ليطمئن القلب وتُسلم له الجوارح. وفي هذا النص البديع نرى كيف يجد الشاعر الاستاذ حسني التهامي طريقه الى الله، في هذا الوادي الذي تحوّ الى معبد وقبلة للصلاة ولحظات زهد.

"بين الممرّات الجبلية

اشق طريقي

الى الله"


واذا كان الهايكو هو فنّ الادهاش بلا تكلّف في انتقاء المفردات والتعابير وعدم اقحام قلم الشاعر في المحسنات البديعية، كي لا يتلوّث صفاء التامّل وتُجزّأ الحكمة، فان براعة الشاعر في رسم الصورة الشعرية للهايكو العربي الذي لا ينفكّ مرتبطا بجمال وتفرّد اللغة العربية بخصائص تميّزها عن اللغات الاخرى، بالأخصّ اللغة اليابانية التي هي اللغة الامّ للهايكو؛ ان براعة الشاعر هنا تظهر جلية، براعة خلق الصورة الشعرية المدهشة دون الاتكاء على المفردات والمحسنات اللفظية. فلنتأمّل، على سبيل المثال لا الحصر، هذين النصين للشاعر الاستاذ سامح درويش و نرى كيف تتجلى فيهما مقدرة الشاعر الابداعية..


بدغدغات ظلّ يدي

تطير بهجة

سمكات الوادي


يا لصحبة الوادي

على حوافِ قلبي ايضا

طحلبٌ اخضر


حيث ان القليل من المجاز الجميل دون مبالغة ومع المحافظة على روح وجوهر الهايكو لا ضير فيه، وان اخذ الهايكو العربي منحى جديدا مختلفا عن مساره الاصلي وطبيعته اليابانية البسيطة، يظل الجوهر الاصيل حاضرا بقوة في بناء قصيدة الهايكو العربية، في كتاب الهايكو العربي وادي زا.


واذا كانت الطبيعة هي مصدر الحكمة والجمال وصومعة التعبد في حضرة ابداع الخالق، فلا شكّ بانها امثولةٌ يُحتذى بها في الحبّ الذي اعطاه الله لصغار مخلوقاته و وضع سرّه في اضعفها، فحبذا لو تشبّه بنو البشر بالمخلوقات الاخرى التي تمارس الحب والحرية والغناء المقرون بالبهجة الدائمة، وبساطة العيش بعيدا عن الحروب والقتال والتناحر.

"طليقة تشدو 

في وادي زا

طيور الحبّ"

المصيفي الركابي


ولم يقتصر الهايكو يوما على وصف الطبيعة رغم أنّه يشترط عدم اقحام ذات الشاعر او الانسنة في القصيدة، إلّا أن تنحّي الذات كليّا غير ممكن في الشعر، وان لم يظهر جليّا في الالفاظ فانّه يبقى مستترا بين طيات المعاني. وقد عرّج شعراء و شاعرات الهايكو في هذا الكتاب على كثير من المسائل الإنسانية ومزجوا بين الطبيعة و ذواتهم او طبيعة الوادي وساكنيها البدو الرحّل. كما ونجد في كتاب الهايكو العربي وادزا الكثير من النصوص التي عرّجت  على المشاكل التي تتعرّض لها طبيعة الوادي الجميل وتأثيرها على الانسان  ولقمة عيشه. وعلى سبيل المثال لا الحصر

نجد الهايكست الاستاذة ليلى برني تبعث في هذا النص رسالة الى ذوي الشأن والقرار ولكلّ قارئ محاولة بكلمات قليلة الاضاءة على مشكلة او مأساة تهدّد النهر وثروته الطبيعية



"موسم عصر الزيتون

اسماك بالجملة تنفق

صرخة وادي زا"


وفي موضع آخر ترسل الهايكست الاستاذة خديجة ناصر رسالة مماثلة 


" لا لتلوّث مياهه

بدمائها تحميه

ساكنة وادي زا"


و اذا تنقلّنا من شاعر الى اخر او هايكست

نجد ان كل شاعر قد تفرد باسلوب خاص به، فاجاد الوصف وابدع في خلق الصور الشعرية المدهشة التي تؤطرها الحكمة وتبثّ رسائل امل  وجمال ومحبة. و سأختم بعد قليل بنصوص لي خاتمة بها قراءتي التي مهما استفضت بها اظلّ مقصرّة في حقّ كلّ الشعراء والشاعرات وابداعاتهم او ابداعاتهن، لكن للضرورة احكام، وحكم الوقت علينا ان نمرّ سريعا على هذا الكتاب الرائع ، حيث كان لنا شرف التعرّف على هذه القطعة الجميلة من مغربنا الحبيب، والتي اشار الاخ الحسين في مقدمته انها تمثّل كلّ قطعة من وطننا العربي وبالفعل لم تواجهني  ايُّ صعوبة و انا اكتب و اصف وادي زا رغم عدم معرفتي بتضاريس تاوريت و وادي زا عن قرب ، الا انّي كنت اكتب و انا اتامّل الصور واشعر اني انظر الى قطعة من وطني لبنان. وكما ان لغة الضاد تجمعنا بجمالها وعراقتها، فإنّ هذا الكتاب قد جمعنا على الشعر وحلاوته، ويجمعنا الحب ان شاء الله، فالشعر من الشعور، والشعور بالمحبة هو الملهم الاوّل و روح الشعر ، وكل ابداع هو حبّ.


في اسفل الجبل

حبيبان يتبادلان الهمسات

النهر وحده شاهد عيان


رسائل الحب العذري

يحملها النهر الجاري

مراكب ورقية


نهر وادي زا 

ما أعمقه !

يحوي كلّ أسرار العاشقين


شمس الصباح

شروقها يبدأ بقبلة

لعروس تاوريت


واليكم، الى هذا الحفل الكريم والى الاستاذ حسين وكل اعضاء جمعية وادزا ،ابعث رسائل المحبّة و المودّة  والاخوّة، واشكركم على حسن اصغائكم وحضوركم الجميل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

Flag Counter

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *